"الفكر الاقتصادي الروماني"
تتمة الأجزاء السابقين من دراسة للفكر الإقتصادي القديم -الإغريق والرومان-
إن أهم المفكرين
الرومان الدين يمكن الاعتماد عليهم في هذا الصدد نذكر: شيشرون(106-43م)،
الذي كان شخصية متعددة المواهب، وعلى الرغم من مواقفه الدفاعية عن مصالح الفئة
الحاكمة وفئة الملاك فإن مؤلفاته تقدم معلومات واقعية ودقيقة في نواحي متعددة
كالقانون والحياة الاقتصادية وغيرهما.
وهناك مفكرون
يدخلون ضمن كتاب والبحوث الفنية أو
العلمية مثل التي وضعها كاتو الأكبر والتي كانت عبارة عن موسوعة في مختلف
الموضوعات ومنها على الخصوص الزراعة.
و لم يكن للرومان نفس الميل الفلسفي ال
ذي تمتع به اليونانيين ولذلك لا نجد لديهم مؤلفات وأبحاثًا فلسفية تمكننا أن نستخلص منها آرائهم الاقتصادية. ولكن كانت هنا كبعض الآراء الاقتصادية فيما كتبه بعض حكمائهم فإنها ضئيلة جدا من ناحية وتعتبر إلى حد كبير صدى للآراء اليونانية من ناحية أخرى. إلا أن ما برعوا فيه هو القانون والتفكير القانوني حيث يعتقد كثير من الكتاب أنه "إذا كان لأثينا القديمة أن تفخر بأنها خلفت للعالم تركة من التفكير الفلسفي، فإن لروما القديمة أن تفخر بأنها خلفت للعالم تركة من التفكير القانوني" ([1]). والقانون الروماني لا يحتوي على تحليل أو دراسات اقتصادية، ولكنه مع ذلك قد أثر تأثيرا بالغًا في التفكير الاقتصادي في العصور اللاحقة، وأول هذه الأفكار التي أثر بها القانون الروماني في الفكر الاقتصادي فكرة القانون الطبيعي.
وقد احتلت فكرة "القانون
الطبيعي" مكانة بارزة في الفكر
الاقتصادي، وتقوم على حقك لشخص في أن يعقد ما يشاء من العقود والالتزامات بما يملك
وبالشكل الذي يراه، وأيضا تقوم على الصفة المطلقة للملكية الفردية وهي أحد مصادر
المذهب الفردي الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي في العالم المعاصر.
فالقانون الروماني هو الذي أعطى الملكية
الخاصة هويتها التي استمرت عليها حتى وقتنا هذا، وأعطى لحائزها الحق ليس في التمتع
بما يملكه واستعماله فقط، وإنما أيضا سوء الاستعمال، ومن ذلك الحين أصبح انتهاك
هذه الحقوق من جانب الآخرين أو من جانب الدولة شيء مرفوض ويحاسب عليه. وإذا كان الإسهام الروماني في مجال
الاقتصاد، إسهاما سطحيا، إلا أن عبقرية الرومان برغم ذلك تجلت في تعريف مؤسسة
الملكية الخاصة وإعطائها الشكل الذي سيكون محوريا للإرضاء الشخصي أكثر من أي شيء
آخر([2]).
إن الالتزام الروماني بقداسة الملكية
الخاصة، كان بالرغم من عدم الاعتراف به كجزء من الناموس التاريخي للفكر الاقتصادي،
تراثًا جوهريا للحياة الاقتصادية والسياسية، وكان هو المصدر الأساسي للانتفاضات
الفلاحية ضد سلطة ملاك الأرض والارستقراطيين([3]).
وفي ختامي هدا المحور لابد من الإشارة إلى
أن للرومان فضل كبير في تحديد مفاهيم اقتصادية مثل (الثمن، الشراء، البيع) التي
اعتمدها المحللون الاقتصاديون بعد ذلك، كما فتح قانونهم الباب للملكية الفردية
المطلقة وعلى هدا الأساس سيقوم النظام الرأسمالي لاحقا.
وخلاصة القول أن اليونان لهم إرث فكري ضخم
فيما يتعلق بالمجال الاقتصادي رغم اختلاطه وارتمائه بين أحضان السياسة والأخلاق
ولم يشكل علما قائما بذاته، إلا أن نظريات وتصورات اليونانيين شكلت اللبنة الأولى
والأساس التي قامت عليها الفكر الاقتصادي فيما بعد.
كما أن الرومان ولو أنهم لم يقدموا فكرا
اقتصاديا يرقى إلى مستوى الفكر اليوناني، فإنهم تركوا إرثا قانونيا لازال معمول به
إلى يومنا هذا، من خلال تنظيماتهم القانونية ومن خلال التكوين العقلي الذي طبعت به
دراسات القانون الروماني عقول الباحثين في الاقتصاد منذ القرن 12م.
نهاية...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق