الأفكار الاقتصادية عند الإغريق

"الأفكار الاقتصادية عند الإغريق"


لقد عرف الفكر الاقتصادي في اليونان القديم تطورا ملحوظا في القرن الخامس الميلادي، نتيجة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في أتينا، ونتيجة للتوسع الكبير الذي حدث في أتينا والبنية السياسية الديمقراطية التي سادت في تلك المرحلة " ديمقراطية السكان الأحرار".
وهدا ما كان مسيطرا على حركة الأفكار سواء ما جاء به أبناء أتينا أو ما جاء به الأجانب الدين استضافتهم.
"ولقد تعرض الفلاسفة والمفكرين والشعراء اليونانيين لبحت بعض المشكلات والظواهر الاقتصادية، ولكن بشكل ضئيل ومحدود وتابع ولم يدرسوا هده المشكلات الاقتصادية بشكل منفصل أو كفرع مستقل من فروع المعرفة، بل كانت دراستهم للظواهر الاقتصادية مرتبطة بأبحاثهم في الفلسفة والسياسة والأخلاق، ومن هنا صفة التبعية للدراسة الاقتصادية.
لذلك لم يكن الفكر الاقتصادي عند اليونانيين واضحا ومتميزا أو مستقلا بل كان تابعا، حقا إننا نجد في فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو بل أحيانا في أشعار هوميروس بعض الأفكار الاقتصادية ولو أنها موجزة"([1]).
- الأفكار الاقتصادية لدى أفلاطون:
ويعد أفلاطون من أشهر فلاسفة الإغريق وهو تلميذ سقراط ومعلم أرسطو، وهو صاحب كتاب الجمهورية الفاضلة حيت تصور في هذا الكتاب مدينة فاضلة ومجتمعا مثاليا لدالك ترفع عن كل ما هو مادي ومعنوي فاحتقر الصناعة والتجارة، ولكنه تحمس للزراعة وقسم الناس ثلاث طبقات، يعهد بكل طبقة نوع من أنواع النشاط في المدينة.
الطبقة الأولى هي طبقة الحكام ومهمتها هي الحكم بوضع القوانين والعمل على احترامها، والطبقة الثانية هي طبقة الجنود ومهمتها هي الدفاع عن المدينة، والطبقة الثالثة وهي طبقة المنتجين وتضم كل من يعملون بالنشاط الإقتصادي ومهمتها إشباع الحاجات المادية للمدينة.
ويبني أفلاطون فكرته على تقسيم العمل بهده الطريقة على حجتين: الأولى: أن لكل شخص مواهبه وكفاءته الخاصة مما يجعل الفرد مهيئا بطبيعته لعمل معين أو لمهنة معينة، والثانية أن تتخصص كل شخص في مهنة معينة يزيد الإنتاج من حيت كميته ويحسنه من حيث نوعيته.
"للنقود دور مهم في مدينة أفلاطون فمتى طبق تقسيم العمل وتخصص كل شخص في حرفة معينة فإن كل شخص سيعرض إنتاجه على الآخرين ليشتروه وليبيعه لهم، ومن تم يبدو جليا الحاجة إلى النقود لتسهيل القيام بهده العملية، كأداة للتبادل.
 ومن أجل هذا لا يجد مبررا لاستخدام الذهب والفضة كنقود لدا فقد إقترح أفلاطون نوع من النقود ذي قيمة صورية ومن هنا يحق القول بأن أفلاطون كان أول من نادى بأن تكون قيمة النقود مستقلة تماما عن قيمتها الذاتية"([2]).
وبما يتعلق بنظرة أفلاطون للملكية الخاصة فإننا نجد في المدينة التي ينادي بها أفلاطون نوعين من التنظيم: النوع الأول: وتحرم فيه الملكية الخاصة وتكوين العائلة وهو يطبق على الحكام والجنود، حيت يشترط أفلاطون أن يعيش الحكام وهم من الفلاسفة معيشة مشتركة ولا تكون لهم ملكية خاصة .
ولا تكون لهم روابط عائلية فلا يتزوجون ولا يكونون عائلات، هذا يعني أن الحكام أن يخصصوا وقتهم وجهودهم كلها لصالح المواطنين جميعا وليس لصالح أشخاصهم أو عائلاتهم.
النوع الثاني: تباح فيه الملكية الخاصة وتكوين الأسرة وهو يطبق على طبقة المنتجين فلأفرادها أن يمتلكوا المال ملكية خاصة ولهم أن يتزوجوا ويكونون الأسر.
"ولكن حرية الملكية الخاصة بالنسبة لطبقة المنتجين ليست حرية مطلقة بلا حدود بل لابد من تدخل الدولة حسب ما يرى أفلاطون وذلك لمنع الثراء الفاحش ومنع الفقر المدقع على حد سواء"([3]).
كما تجدر الإشارة أن أفلاطون كان له موقفا صريحا ضد الربا أنه أباح عدم سداد المال الذي يتم اقتراضه بفائدة ويؤكد أفلاطون على ضرورة التفرقة بين النقود المحلية المقبولة فقط داخل الدولة، وبين النقود العامة التي تحتفظ بها الدولة للأسفار وخلافه، ويرى أنه يجب على الأفراد الذين يخرجون من البلاد بموافقة السلطات أن يسلموا عند عودتهم ما لديهم من نقود أجنبية إلى الدولة ويحصلوا بالمقابل على نقود محلية.
وإذا كان لنا أن نسجل هنا رأيا في صدد فكر أفلاطون الاقتصادي "إن فكره هذا علامة مضيئة في التراث الفكري الإنساني، وظل مصدر إلهام للكثير من المفكرين والباحثين الدين جاءوا بعده بعدة قرون، ونضيف أنه لا يقلل من أهمية فكر أفلاطون إجمالا أنه لم يرى النور في حياته أو كونه لم يوضع موضع التطبيق إذ تمكنت الأرستقراطية في عصر لأفلاطون أن تقوم بعمل مضاد لأفكاره"([4]).
-
اليونان -بلاد الإغريق-
الأفكار الاقتصادية لدى أرسطو:
ويختلف أرسطو في عدد من الأمور مع معلمه وأستاذه أفلاطون، ويرى أرسطو أن الجمهورية غير قابلة للتطبيق وغير إنسانية أو سعيدة، وخاصة بما يتعلق ببعض المبادئ التي نادى بها أفلاطون مثل مشاعية النساء والأملاك بالنسبة للطبقة الحاكمة والجنود وتقسيم المجتمع بشكل حاد إلى طبقات.
"ولقد ظل أرسطو ضمن دائرة الصيغ التقليدية التي جاء بها من سبقه من الفلاسفة الإغريق من خلال مناصرته ودعوته للمدينة المحدودة "المقلصة" وأن يبقى المواطن الحر متحررا من سائر المشاغل اليدوية "العمل الجسدي" أو التجارية تحررا كليا، والأعمال الوحيدة التي أعجب بها أرسطو هي المداولة والعدالة والجيش أو الدين، فهو يرفض الطغيان المفرط والملكية الناقصة ومن هنا يربط بين الموضوع السياسي والموضوع الاجتماعي"([5]).
ولقد حاول أرسطو أن يقف وقفة تحليلية أمام بعض المشكلات والظواهر الاقتصادية، ولدالك يعد أرسطو أول المفكرين القدماء الدين أعطونا ما يمكن تسميته "بدور نظرية اقتصادية "تقوم على تحليل الظواهر والمشكلات المتعلقة بالنشاط الاقتصادي أي أنه دفع الاقتصاد دفعة قوية إلى الأمام، في سبيل أن يصبح علما متميزا ومستقلا ومتكاملا على الرغم من أنه لم يتمكن من جعل الاقتصاد علما مستقلا.
ويتميز أرسطو عن غيره من مفكري العصور القديمة بأنه حاول تحليل بعض المشكلات والظواهر الاقتصادية، ولقد وردت معظم أفكاره في كتابيه الأخلاق والسياسة، وانتقد الأفكار التي تنادي بإلغاء الملكية الخاصة وإنشاء نظام جماعي .
"كما عرف أرسطو الإحتكار أنه يتمثل في وجود بائع وحيد في السوق يتولى بيع سلعة محددة بالذات وحذر من الإحتكار لأن هدا من شأنه أن يلحق ضررا فادحا بالمجتمع"([6]).
ولقد انتقد أرسطو أفلاطون في أفكاره ورأى أنه من الممكن تحقيق التوافق بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة، وأن الدافع الشخصي هو من أقوى الدوافع لتحقيق المصلحة العامة.
ولقد شكلت هذه الأفكار البدرة الأولى لأفكار أدم سميت فيما بعد في كتابه ثروة الأمم 1776 الذي نادى فيه بإطلاق الحرية الفردية لتحقيق الانسجام بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة فيما سماه باليد الخفية.
"ولقد ظهر عند أرسطو أفكار اقتصادية من قبيل محاولته تفسير بعض الظواهر الاقتصادية، حيت فرق بين قيمة الاستعمال التي تعتمد على قيمة منفعة الشيء بالنسبة للشخص وقيمة المبادلة التي يتم فيها تحديد معدل التبادل بين السلع بعضها مع البعض، واعتبر الأثمان القائمة على الاحتكار غير أخلاقية فهي أثمان غير عادلة"([7]).
وكما بحث أرسطو موضوع الرق "حيت وصل نظام الرق في عصره إلى أن يصبح مشكلة خطيرة، ولكنه مع دالك لا يخشى الإعلان عن رأيه في أن التفاوت الطبيعي بين البشر حقيقة لا تقبل المراوغة، حيت يعتقد أن هده الحقيقة هي في صالح المجتمع الإنساني، على غير ما قد يتصوره البعض بحجة التعلق بوهم المساواة المطلقة"([8]).
وكما تظهر أهمية الفكر الاقتصادي عند أرسطو على وجه الخصوص في دراسته عن بعض الموضوعات الاقتصادية التي تتصل بما يسمى اليوم باقتصاد البحت أو التحليل الاقتصادي.
"ولقد فرق أرسطو بين نوعين من القيمة يكونان لكل سلعة من السلع وهم قيمة الاستعمال وقيمة المبادلة، وعرف القيمة الإستعمالية لأية سلعة بأنها قيمة الإشباع الذي تعطيه السلعة لمن يستهلكها أو يستعملها، أما القيمة التبادلية للسلعة فهي قيمة ما يحصل عليه الفرد من سلع في السوق نتيجة لمبادلة سلعته بغيرها من السلع"([9]).
ونود أن ننبه ونحن نتأمل في فكر أرسطو الاقتصادي، إلى أن هدا الفيلسوف اليوناني العظيم كان على درجة عالية من الاستيعاب لظروف عصره، فجاء فكره الاقتصادي مجسدا لمصالح المجتمع الإغريقي وبشكل خاص الأغلبية في هدا المجتمع.



[1] - جان توشار: تاريخ لأفكار السياسية ترجمة الدكتور ناجي الدرواشة، وزارة الثقافة، دمشق 1984، الجزء الأول، ص. 19.
[2]- حسين عمر: تطور الفكر الإقتصادي: دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1994، ص. 30 .
[3]- مصطفى العبد الله الكفري: أفلاطون والأفكار الإقتصادية: الحوار المتمدن العدد 969،  27-09-2004.
[4]- أنيس حسن يحي: تاريخ الفكر الإقتصادي قبل أدم سميت ص 36، أبو ظبي، المجمع الثقافي 2003.
[5]- يوسف جميل نعيسة: تاريخ الفكر السياسي جامعة دمشق، مطبعة رياض دمشق، 1982، ص. 75.
[6]- أنسي حسن يحي: تاريخ الفكر الإقتصادي قبل أدم سميت، ص. 52.
[7]- أنظر في مقالات للكاتب السوري مناف قومان في: نظرة عن الفكر الإقتصادي في الحضارة الإغريقية.
[8]- عبد الرحمان يسري: تطور الفكر الإقتصادي: مطبعة سامي الإسكندرية، الطبعة الرابعة، 1996، ص. 21.
[9]- حسين عمر: تطور الفكر الإقتصادي، ص. 36.
مواضيع مقترحة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق