الفكر الاقتصادي لدى الإغريق والرومان

الفكر الاقتصادي لدى الإغريق والرومان

الفكر الاقتصادي هو مجموعة من الأفكار والنظريات والدراسات الاقتصادية الخاصة بالدول، وارتبط الفكر الاقتصادي قديما بالفلسفة فاهتم الفلاسفة في صياغة الأفكار الاقتصادية وفقا للواقع المادي السائد في العصر الذي وجدوا فيه، لذلك كانت أغلب الأفكار الاقتصادية تستمد قواعدها الأساسية من التحليل الفلسفي والذي وضع أيضا أساسيات الفكر السياسي.

إن تاريخ الفكر الاقتصادي في الحضارات الشرقية المتمثلة في حضارة مصر القديمة والبابليين والحضارة الصينية، وتجب الإشارة أن تلك الحضارات كانت شديدة المركزية واشتهرت بالزراعة المنظمة، ولكن شح الوثائق والمعلومات حال دون معرفة الفكر الاقتصادي هو السائد آنذاك، والمقصود بالفكر الاقتصادي هو الإنتاج والتوزيع والاستهلاك وحقوق الملكية ورأس المال والعمل والعمال والمشاكل الاقتصادية وغير ذلك.
لا نزال في الحضارات القديمة ولكن في وقت أقرب حيث الحضارة اليونانية والاقتصاد الإغريقي المعروف بالاقتصاد العائلي الذي عرف بأنه قائم على إدارة المنزل حيث يتولى رب المنزل مسؤولية تأمين احتياجات هذا البيت.
ولم تظهر مشاكل اقتصادية أمام اليونانيين إلا في أثينا بعد الحصول على غنائم الحرب وازدهار التجارة ولعل السبب يعود إلى أن الدولة الإغريقية قامت على الرق بحيث ترك العمل اليدوي للعبيد وتم النظر إلى العمل بصفة عامة –باستثناء الزراعة- محل احتقار من المفكرين في ذلك الوقت.
ونستطيع هنا قراءة الفكر الاقتصادي السائد في الحضارة الإغريقية آنذاك من خلال كتابات ونتاج المفكرين والفلاسفة الإغريقيين مهن أمثال أفلاطون وأرسطو الذين جاءوا من أجل ذكر وتفسير بعض الظواهر الاقتصادية من قبيل العبيد والملكية وطبقات المجتمع.

الفكر الاقتصادي لدى الإغريق:   

بدأ الاقتصاد الإغريقي اقتصادا عائليا إذا كانت كل عائلة تكون وحدة اقتصادية وعلى ذالك لم تنشأ مشاكل اقتصادية نظرية ذات  معنى وفي هذه المرحلة عرف الاقتصاد بأنه علم إدارة المنزل مما بين سياسة الاقتصاد العائلي على الحضارة اليونانية .ولم تظهر مشاكل اقتصادية أمام اليونانيين إلى في وقت متأخر عند-أثينا- نتيجة الحصول على غنائم الحرب وازدهار التجارة. ومع ذالك فإننا لا نجد بناء فكريا متكاملا عن المشاكل الاقتصادية برغم اهتمام بالمسائل الفكرية ولعل السبب في ذالك يرجع إلى أن الدولة قد قامت على الرق بحيث ترك العمل للعبيد، وكانت النظرة للعمل بصفة عامة وربما باستثناء الزراعة محل احتقار من المفكرين، وهكذا تراجع شأن الاهتمام بالإنتاج أهم مقومات الحياة الاقتصادية ونجد بعض الأفكار الاقتصادية المتناثرة لدى الفلاسفة اليونانيين([1]).
كما عرف الفكر الاقتصادي في اليونان القديم تطورا ملحوظا في القرن الخامس ميلادي نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في أثينا، ونتيجة التوسع الكبير والبنية السياسية الديمقراطية التي سادت في تلك المرحلة، وهذا ما كان مسيطرا على حركة الأفكار سواء ما جاء به أبناء أثينا وما جاء به الأجانب الذين استضافتهم، وبالرغم ذالك فانه يمكن القول بان النشاط الاقتصادي في عهد الإغريق كان محدودا جدا وكانت المشكلات التي يثيرها هذا النشاط قليلة الأهمية بحيث لم يتثنا لها الفلاسفة والمفكرين الإغريق إلى بصورة عرضية وفي ضوء اعتبارات خاصة غير اقتصادية. ولذالك تعرض الفلاسفة اليونان إلى المشكلات الاقتصادية كفرع مستقل من فروع المعرفة بل كأبحاث مرتبطة ارتباطا عضويا بالفلسفة والسياسة والأخلاق وذالك الافتقار اليونان للنشاطات التي كانت قائمة على نظام العبيد للقيام بالأعمال الأزمة الإنتاج . ومن هنا يمكن القول أن دراسة الفكر الاقتصادي الإغريقي ترتبط في الأساس بكتابات كل من أفلاطون وأرسطو اللذين وضعا اللبنة في إرساء دعائم فجر الفكر الاقتصادي الحديث([2]).
- الفكر الاقتصادي لدى الرومان:
تتميز الثقافة الرومانية بضحالة المفهوم الفلسفي فبرغم من سيطرة روما العسكرية على العالم إلا أنها ظلت تابعة لليونان من ناحية المعرفة والفكر وباستثناء بعض الأعمال القانونية لا نجد فكرا رومانيا خالصا. وينبغي أن نشير إلى نشوء أوضاع جديدة أدت إلى تحول الاقتصاد العائلي إلى اقتصاد زراعي مغلق ثم اقتصاد استعماري إمبراطوري، كما ظهرت ظواهر جديدة لم تعرف من قبل مثل التضخم الشديد في القرنين الثالث والخامس بعد الميلاد. كذالك أدى تنظيم الزراعة واستغلالها بمشاكل جديدة مثل الاستغلال الكبير والاستغلال الصغير .
وللأسف لم تعطي هذه المشاكل الجديدة مجالا للفكر سوى بعض الإشارات المقتضبة عن الفن الإنتاجي في مجال الزراعة، وأثر تنظيم الأسواق على التضخم مع معارضة صور الاستغلال الكبير الأرض وأثره على توافر المواد الغذائية واستنكار أسعار الفائدة، ولكننا لا نستطيع القول بأنه يوجد ثمة نظريات اقتصادية عند الرومان عن المشاكل الاقتصادية. فلا نجد سوى بعض الإشارات عن الفن الإنتاجي في مجال الزراعة وأثر تنظيم الأسواق على التضخم مع معارضة صور الاستغلال الكبير للأرض وأثره على نوافذ المواد الغذائية إضافة  إلى استنكار أسعار الفائدة.
يكاد كل الذين كتبوا عن تاريخ الأفكار الاقتصادية أن يجمعوا على أن إسهام الرومان كان محدودا، بل جدير بالإهمال فقد أطالوا في الثناء على الزراعة بحيث أصبحت أنشودة يسبحون بها والى هذه الأثناء أضافوا اقتراحات كثيرة بشأن أساليب الزراعة وإدارتها أي الاقتراحات المتعلقة بالمشروع التجاري. وكانت هناك شكوك حول كفاءة الرق. وذالك أن مؤسسة الملكية الخاصة تسبق التاريخ المسجل بكثير في أشد الجماعات القبلية بدائية يدعى الرجال أحقيتهم في ملكية الأسلحة والأدوات وللأسف ملكية نسائهم والملكية الشخصية مقبولة في كل المجتمعات بما في ذالك العالم الاشتراكي والممتلكات في كل مكان هي أحد الجوانب الشخصية نفسها. لكن القانون الروماني هو الذي أعطى الملكية هويتها الرسمية. وكانت هذه الحقوق من جانب الآخرين أو من جانب الدولة يستوجب عبء التبرير .
وليست هناك مؤسسة في العالم غير الاشتراكية تضاهي في أهميتها مؤسسة الملكية الخاصة واستعمالها والسعي إليها. فيؤكدون باستمرار وإن يكن في حذر أسبقية المصلحة العليا للدولة أو المصلحة العامة وحول مسألة الملكية العامة أو الخاصة لوسائل الإنتاج بدور الخلاف الكبير بين العالمين الرأسمالي والاشتراكي وإذا كان التعليق سطحيا في مجال الاقتصاد تجلت عبقرية الرومان بالرغم ذالك في تعريف مؤسسة الملكية الخاصة وإعطائها الشكل الذي يكون أكثر من أي شيء آخر محوريا الإرضاء الشخصي والتنمية الاقتصادية والنزاع السياسي في القرون القادمة .
إن الالتزام الروماني بقداسة الملكية الخاصة كما يمكن أن تسمى الآن بالرغم بعدم الاعتراف به كجزء من القاموس التاريخي للفكر الاقتصادي، تراثا جوهريا للحياة الاقتصادية والسياسية وكان هو المصدر الأساسي الانتفاضات الفلاحية التي لا تحصى ضد سلطة ملكية الأرض والارستقراطيين باعتبار أن الاقتصاد أكبر محرك للتاريخ ([3]).
وبهذا نجد لدى مؤلفات وأبحاث فلسفية تمكننا أن نستخلص منها آرائهم الاقتصادية. ولئن كانت هناك بعض الآراء الاقتصادية فيما كتبه بعض حكمائهم فإنها ضئيلة جدا من ناحية وتعتبر إلى حد كبير صدى الآراء اليونانية من ناحية أخرى، إلى أن ما برعوا فيه هو القانون الروماني بحيث لا يحتوي على تحليل أو دراسة اقتصادية. ولكن مع ذلك قد أثر تأثيرا بالغا في التفكير الاقتصادي في العصور اللاحقة. وأول هذه الأفكار التي أثر بها القانون الروماني في الفكر الاقتصادي وفكر القانون الطبيعي([4]).
وقد احتلت "فكرة القانون" مكانة بارزة في الفكر الاقتصادي وتقوم على حق كل شخص في أن يعقد ما يشاء من العقود والالتزامات بما يملك وبالشكل الذي يراه، وأيضا تقوم على الصفة المطلقة للملكية الفردية وهي أحد مصادر المذهب الفردي الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي في العالم المعاصر.
 فالقانون الروماني هو الذي أعطى الملكية الخاصة هويتها التي استمرت عليها حتى وقتنا هذا، وأعطى لحائزها الحق ليس في التمتع فيما يملكه واستعماله فقط، وإنما أيضا سوء الاستعمال، ومنذ ذلك الحين أصبح انتهاك هذه الحقوق من جانب الآخرين ومن جانب الدولة شيء مرفوض ويحاسب عليه وإذا كان الإسهام الروماني في المجال الاقتصادي إسهاما سطحيا. إلى أن عبقرية الرومان برغم ذالك تجلب في تعريف مؤسسة الملكية الخاصة وإعطائها الشكل الذي سيكون محوريا الإرضاء الشخصي أكثر من أي شيء آخر([5]).


[1]- حازم الببلاوي  دليل الرجل العادي إلى تاريخ الفكر الاقتصادي ، ص.20.
[2]- حسين عمر: تطور الفكر الاقتصادي، دار الفكر العربي القاهرة، ط1 ،1994 ، ص. 24.
[3]- ذ.حازم الببلاوي .دلبل العادي إلى تاريخ الفكر الاقتصادي، دار الشروق ط1 ، ص14..
[4]- نفس المصدر، ص.32.
[5]- د. نجلاء عبد الحميد راتب،  كلية الآداب، جامعة نبها.
 
مواضيع مقترحة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق