آثار التدخل الأجنبي على الوضعية الاقتصادية لبلاد المغرب

"آثار التدخل الأجنبي على الوضعية الاقتصادية لبلاد المغرب"

أيوب إدريسي...
أرشيف التاريخ المغربي...

يمكن الحديث من جهة عن المكاسب التي حققتها السياسة الأوربية في الاقتصاد العربي بصفة عامة، وأنها ظلت بعيدة عن التأثيرات الغربية، والنفوذ الأوربي الاقتصادي والسياسي والثقافي. لكانت لا تزال في القرن العشرين تعتمد تلك الوسائل والأساليب التقليدية، كما كانت ستحقق إنتاجا بسيطا يقتصر على الاكتفاء الذاتي فقط. لكن كيف ما كان الحال فهذه الدول ستكون على حال وفي وضعية جيدة خلاف ما عليه الآن، ذلك أن التدخل الأجنبي لم يتم وفق قوانين ومبادئ تحقق المصلحة العامة، بشكل متوازن ومتساوي بين الشركاء. وإنما نجد ميل كفة المصالح، والأهداف إلى جانب التدخل الأجنبي على حساب باقي الشعوب النامية.

شهد المغرب في فترة ما بين الحربين كما هو الحال عند مجموعة من الدول خسائر فادحة في القوة العسكرية، حيث أن الجيوش المغربية خاصة ما يتعلق بعمليات فرض الأمن في المغرب قد خلفت ما يزيد عن 25000 من الإسبان وأكثر من 100000 من الفرنسيين وأبناء المستعمرات. ولقد تلقت خسائر جسيمة على المستوى العسكري في نضالها ضد الغزاة الأجانب خاصة في الفترة الممتدة ما بين 107-1926 ثم أيضا على المستوى المعيشي الذي عرف من خلاله قطاعات السكان فقرا شكل نسبة 80%، وقطاعات القمة تشكل 20%. وما عرفت به هذه المرحلة هو انحدار كبير على المستوى المعيشي الذي شهده العالم ككل، وهو أمر منطقي كانعكاس للحربين العالمية الأولى والثانية.
من أهم القطاعات أيضا التي شهدت تراجعا كبيرا وأسقطت المغرب في يد الاستعمار الأوربي نجد:
 
 -تدهور في قيمة النقود المغربية:
يندرج مشكل طغيان النقود الأجنبية على حساب النقود المغربية ضمن أهم المشاكل التي واجهت الاقتصاد المغربي خلال القرن التاسع عشر. حيث انعكس التواجد النقدي الأجنبي سلبا على الاقتصاد المغربي، وساهم في زيادة العرقلة على المستوى التجاري الذي تطلب منه التعامل مع عدة من النقود المختلفة بأنواعها، إلى جانب تراجع الثروات الاقتصادية لبلاد المغرب.
كان يتم تهريب النقود المغربية خاصة منها الذهبية والفضية إلى أوربا بواسطة التجار الأوربيين، وذلك نتيجة الخصاص الذي كانت تعانيه الدول الأوربية من معدن هذين النقدين. فكان وزن المثال 29 غرام يقابل 25 غرام من وزن الريال الفرنسي، وهذا الفرق الذي يتحدد أساسا في 4 غرامات تشجع العديد من تهريب هذه النقود وإنشاء أسواق سوداء مما انعكس سلبا على الاقتصاد المغربي الذي أصبح بدوره يعاني من العجز التجاري الذي فاق 32 مليون فرنكا خلال أواخر القرن 19م. بالإضافة إلى عمليات التهريب التي كانت تتم بشكل متتالي للنقود المغربية، فكانت هناك أيضا أساليب أخرى منها عمليات التزوير، وعلى خلاف التهريب الذي ينتج عنه تقلص في كمية السكة فإن التزوير كان يقوم على الزيادة في هذه الأموال ولكن بطريقة غير شرعية ومضرة بشكل بالغ على الاقتصاد المغربي.
أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار البضائع وانخفاض قيمة النقود الوطنية وانهيارها، وأيضا انعكاس ذلك على المبادلات التجارية والشركاء التجاريين الذين يفقدون الثقة في السكك أو النقود المتداولة. وبذلك فقد المغرب السيطرة على التجارة كوسيلة من وسائل تنظيم المداخيل الجمركية، وما رافق هذا الحديث من أضرار كبيرة لحقت بيت المال، بعد أن أصبحت الاحتكارات الأجنبية في الشؤون التجارية، وذلك انطلاقا من مجموعة من الشركات التي كانت تحقق قوة اقتصادية، وهيمنة إلى جانب عدد من اليهود والمسلمين الذين كانوا يتمتعون بالحماية مما وفر لهم الأمن والعيش المريح.
نضيف إلى تراجع قيمة النقود المغربية، عامل آخر شكل من أبرز العوامل التي نتج عنها إفلاس خزين الدولة، والمتمثل في تلك الحروب والمعارك التي خاضها المغرب ضد التدخل الأجنبي. ولقد شكلت حرب أو معركة ايسلي ثم حرب تطزان لسنة 1960م من الحروب التي كان لها الأثر الكبير على اقتصاد المغرب. حيث شهد انخفاضا مطردا بدون استثناء، وإفلاس خزينة الدولة منذ الدفعة الأولى من غرامة حرب تطوان. فلم تكن للمخزن فكرة واضحة حول مبلغ أرصدته من النقود، كما أكد ذلك السلطان محمد بن عبد الرحمان. الذي فوجئ بهذه الحقيقة قبل الشروع في دفع القسط الأول من غرامة الحرب، وهو ما ورد في قوله عندما بعث برسالة إلى نائبه بطنجة، وهو محمد بركاش سنة 1861م. «وفي علمكم أنا دفعنا ما كان عندنا ببيت المال هنا بفاس، وما كان ببيت مال مراكش، حتى لم يبق تحت يدنا إلا ما نقضي به حاجة مع الجيش، إذ لا يمكن صبرهم على الخدمة بالجوع والعري، ومع ذلك فهو قليل لا يقنعون به»([1]).
-الصادرات والواردات:
عندما تصبح السوق المتمتعة بالحماية في متناول بلد استعماري، يصبح في مقدرة هذا البلد أيضا أن يبيع السلع في هذه الأسواق بأسعار أعلى منها في أي مكان آخر، ويتحقق ذلك عن طريق فرض الرسوم الجمركية وغيرها من الإجراءات التشريعية، وعن طريق فرض الرسوم الجمركية وغيرها من الإجراءات التشريعية، وعن طريق الضغوطات الإدارية، أ بالاحتكار للعقود الحكومية. وتؤكد المصادر أن قبل الحرب العالمية الأولى إلى ما بعدها، كانت نسبة كبيرة من الواردات تتراوح ما بين 50% إلى حدود 90% تأتي من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وإلى بلدان مثل مصر والعراق والجزائر([2]).
فإلى حدود نهاية الحرب العالمية الأولى وتزامنا مع الارتفاع في مستوى المعيشة، قد تركزت السلع الأجنبية في الريف على وجه الخصوص لدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل. مما أدى إلى تغير جذري في أنماط الاستهلاك، وتدمر الصناعات الحرفية القديمة. ثم أخذت أنماط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية تتغير وفق ارتفاع على نطاق واسع من الإنتاج فيما يتعلق بالصادرات. اعتماد التصدير الزراعي التقليدي في المغرب، وهي ما كانت عليه صادرات تونس أيضا. حيث ازدادت صادرات الحبوب إلى أن أدت لارتفاع كبير في عدد السكان إلى الحد من الفائض المتوفر للتصدير. وكان الفوسفاط هو سلعة التصدير الأساسية، فمثل بذلك نسبة 20% من إجمالي الصادرات. بالإضافة إلى سلع التصدير الهامة الأخرى والتي تتمثل في المعادن (الحديد والمنجنيز والكوبالت...) والفواكه والخضروات.
لقد استورد المغرب في الفترة ما بين (1830-1831) ما يناهز 3.5 طن من الشاي قيمتها 65000 فرنك، و250 طن من السكر قيمتها 400000 فرنك، حيث يشكلان معا ما يتراوح بين 6% إلى 9% قيمتها مليونين فرنك و 10000 طن من السكر قيمتها 8 مليون فرنك، وهو ما يعادل 25% من الواردات. الأمر الذي يوضح ارتفاعا هائلا في قيمة الواردات في المغرب.
ƒ- الديون ودورها في تعجيل إخضاع المغرب:
تكونت البنوك الخاصة والمشتركة ابتداء من الخمسينيات من القرن التاسع عشر.  وذلك في مجموعة من دول العالم بما فيها المغرب. وما بين 1850-1880 ظهرت الديون الباهظة وبنسب كبيرة جدا في صف الدول الخاضعة، أو التي كانت على باب الخضوع للاحتلال الأجنبي ثم نتج عن تدفق رؤوس الأموال إلى الإفلاس في الأخير واللجوء إلى الاقتراض بهدف مواجهة الأزمة. لكن هذا الإجراء كان أمرا خاطئا ذلك أن معظم الدول التي خضعت للديون كانت نهايتها السقوط في قبضة الاستعمار. ويعد المغرب نموذجا لهذه السلسلة الاستعمارية.
فالمغرب حصل على فرض مقداره 426000 جنيها من لندن بهدف تسديد التعويضات التي فرضتها إسبانيا عليه. ولقد كان المغرب من ضمن دول شمال إفريقيا التي تحصل على قروض ضخمة من قوة الاحتلال الفرنسي وفق شروط تجارية، من طرف السوق الفرنسية على وجه الخصوص، وذلك خلال المرحلة الممتدة ما بين 1939-1945م. وهو لعام الذي قدمت فيه الحكومة الفرنسية قروضا طويلة الأمد ومنخفضة الفائدة إلى جانب منح للتنمية، فذلك حصل أيضا المغرب على ما يزيد عن 400 مليون دولار. وكانت الأهداف أعمق من ذلك بكثير تخفي في طياتها أطماعا حول تحقيق السيادة على المغرب. واستغلاله بمختلف الطرق والوسائل.
أدى البذخ الملكي الذي ارتبط أساسا ببعض الخطوات الهادفة إلى الإصلاح والتحديث، إلى اقتراض المغرب ديون بنسبة 22.5 مليون فرنك، والذي حصلت فيه على مقدار 13.5 مليون فرنك ثم بعده قرض آخر الذي لم يتحصل فيه سوى على نسبة 48 فرنك هادفا بذلك إلى سداد جميع الديون، غير أن كل من فرنسا وإسبانيا فرضت كل واحدة منهما على المغرب فوئد بما يقدر بـ 135 مليون فرنك.
أما في سنة 1910 فقد حصل على قرض آخر يناهز 101 مليون بفائدة 8%، مما جعل فرنسا تفرض سيطرتها على الجمارك كضمان للسداد.
انطلاقا مما سبق يتضح لنا أن الاقتصاد المغربي بعد مرحلة وجيزة ومحدودة من مظاهر الازدهار والتحضر، والمتمثل في تشييد المباني وإنشاء مجموعة من المشاريع من خلال المصانع والمعامل، والسكك الحديدية وغيرها. عاد الاقتصاد إلى ما كان عليه، بل اشتدت الأزمة الاقتصادية وساءت الأوضاع بأضعاف مضاعفة على ما كانت عليه قبل التدخل الأجنبي. فتمكن العنصر الأجنبي من تحقيق السيطرة في الشؤون الداخلية لبلاد المغرب، مما أعطاه مشروعية تامة في حرية التصرف. وإذا تمعنا في مرحلة التنمية التي عاشها هذا البلد، فنجد أن التدخل الأوربي كان يطمح إلى توفير إمكانيات الاستغلال والاستعمار، وبالتالي يمكن القول أن هدفه لم ينصب في تحقيق التنمية والنهوض بالمغرب وباقي الدول النامية نحو التغيير والتقدم، بقدر ما كان يرمي إلى إيجاد بل وتوفير الوسائل والآليات التي تمكنه من استغلال واستبداد خيرات وثروات هذه الدول.
وختاما لمجموع المقالات التلاث، نستنتج أن التدخل الأجنبي كان له الأثر الكبير على بلاد المغرب، والحياة العامة للأفراد. حيث نجد أن هذا التدخل لا يمكن حصره فقط فيما هو مرتبط بالجانب الاقتصادي والمبادلات التجارية سواء الخارجية أو الداخلية. أو في إقامة المشاريع، ذلك أن هناك مستويات غير اقتصادية أخذت حظها من السيطرة الأجنبية. خاصة ما يتعلق بالجانب الثقافي والتقليدي، فنجد بعض المظاهر والسلوكيات الدخيلة على المجتمع المغربي. التي كان يطمح من خلالها إلى محو الهوية الأصلية للمغرب، في مقابل نشر أفكاره وثقافته على نطاق واسع في العالم بأسره.
إذا لم يتمكن العنصر الأوربي من تحقيق السيادة الاقتصادية في المغرب إلا لفترة وجيزة ومحددة. ليعود أدراجه إلى بلاده. فإنه قد نمكن من تحقيق أهدافه حيال جعل المجتمعات الإسلامية بصفة عامة خاضعة ثقافيا وفكريا لطموحاتها.
النهاية....



[1]- عمر آفا، مسألة النقود في تاريخ المغرب القرن 19، ص.182.


[2]- شارل عيسوي، التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ص.41.
مواضيع مقترحة

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire