البحث في التراث
القديم: بين تقاليد الماضي وآفاق المستقبل
المصطفى مولاي رشيد
من
خلال عنوان مساهمتي في اليوم الدراسية الخاص بالبحث في التاريخ القديم، تعمدت
استعمال لفظ تراث ولا كلمة تاريخ. لماذا؟ لأنه، في اعتقادي، تشكل فترة ما قبل
التاريخ رصيدا أساسيا ومفيدا من التراث العتيق. وهي الحقبة الطويلة المدى والتي
توحي إلى عناصر هوية وطنية معينة. ويجب من باب الإنصاف، أن نستحضر نشاط تلك
الجمعية التي انكبت خلال سنوات طويلة على فترة ما قبل التاريخ المغربية، وكان جورج
سوفيل G.Souville من أعضائها المرموقين. حبذا، لو توبعت تلك
الممارسة العلمية من جانب باحثين مغاربة.
أما
ما يهم التاريخ القديم، ففي الحقيقة، أخذ العصر الروماني من علماء الآثار،
الاعتناء الواسع فضاء وحده. ولكن، لم تقتصر مبادرات هؤلاء الأثريين بصفة عامة،
خلال عهد الحماية وبداية عهد الاستقلال، على الرومان فحسب، بل تم تسليط الأضواء من
جانب بعضهم، أيضا على الفينيقيين والقرطاجيين والأمازيغ والرحلات البحرية
والعلاقات الخارجية مع باقي بلدان إفريقيا الشمالية وبعض المجالات من إفريقية
الجنوبية. وأعتقد أن المساهمات وافرة في هذا المضمار. غير أنه، قد عشنا منذ
السبعينات أزمة التاريخ القديم بصدد تلك العلمية التحويلية أو بتعبير آخر بشأن تلك
المبادرات الهادفة إلى مغربة التاريخ القديم لاسيما ما يخص أطُر استيعابه وتبليغه.
سبق لي أن أشرت إلى هذا الإشكال خلال الحفل التكريمي الخاص بالأستاذ إبراهيم
بوطالب. فقلت آنذاك إن الجواب واضح، لأنه، وبكل موضوعية، لم يكن من تقاليدنا
المعرفية العتيقة أو المحدثة، الالتفات إلى التراث القديم وذلك لأسباب عدة: عقيدية
واجتماعية ومنهجية.
يظل
في نظرنا، من المفيد المحافظة والسعي نحو إغناء تراث ذي قيمة جمالية وبشرية. ففي
هذا الإطار، يفتخر العلم القديم بحق، لكونه اكتشف بالتدريج قواعد التفكير وبالبحث
والاتصال والنقد، قواعد لولاها، لم يتسم العمل الفكري العتيق بأية قيمة تذكر. وها
نحن أمام ماضي، كان قبل شيء، حياة واقعية وتمرينا نافعا لسيرة الفكر نحو العلوم
الإنسانية. وبالتالي، كيفما كانت الإشكالات التي تظهر بمناسبة الدراسة قصد استيعاب
الفكر القديم، فهي على أية حال، أكثر قصورا من الصعوبات التي تهبها طبيعة
المستندات المتوفرة لدينا. فالمبادرة في هذه المضمار، ليست مستعملة ومنجزة في
حينها. فمن اللازم على الأقل، ترجمة نص أو تأويل نقائش أو دراسة لمدة طويلة،
مجموعات نقدية واستنطاق صخور قديمة؛ وقد لا يتسم هذا الاستيعاب على الإطلاق أو من
النادر جدا، فما هو موثوق به وفي أتم الوضوح والدقة. وهكذا، يصير التراث القديم،
الميدان العلمي الأقل ضبطا وصحة مما قد يكون عليه. غير أنه عكس ذلك، قد يبدو أكثر
جاذبي بحُكم وازع الشك نفسه في معلوماته، حيث تبرزها مفارقة هذه المادة التي تتطلب
بطبيعة هشاشتها، أقصى ما يمكن من العمل الجاد والتقنيات والمناهج الدقيقة
والصائبة.
مع
أنه نلاحظ وبدون منازع تقدم المعرفة الخاصة بالتاريخ القديم. فمنذ قرون تقريبا،
أظهر تأويل النصوص المنجزة جيدا رؤية جديدة، كما نمت العلوم التكميلية بصفة
موازية، وفوق كل هذا وذاك، أغنى استعمال المناهج الدقيقة معلوماتنا بشكل جدي،
الأمر الذي جعل التاريخ القديم يتحول أكثر فأكثر كأغلبية الأنشطة الإنسانية إلى
مادة علمية.
فما
هي ميادين هذا التاريخ؟ فمن المفيد في نظري ذكرها ولو بإيجاز.
·
الهياكل السياسية: إنها تقترب من الأنظمة المعاصرة من أجهزة أرستقراطية،
طغيانية وديمقراطية فمن آلاف السنين ومنذ وُجدت مجتمعات، ظل من الأكيد حُكمها
وتسييرها. لنبادر في هذا الإطار في محاولة التفكير في النظم المبدعة التي عاشت
ميلاد وتطور العلوم المختلفة وفي الحقب –عكس ذلك- التي تميزت بالركود والانحطاط.
ومن اللازم ممارسة في هذا الباب عملية الاستنتاجات الأساسية.
·
المصادر الأدبية: يوفر
لنا العدد الكثير من المؤلفين القدماء، دون أن يمارسوا أشغال المؤرخين، معلومات هي
بمثابة مستندات نفيسة بواسطة الرؤية العاجلة للأحداث.
·
المصادر الغير الأدبية:
-
العلماء القدماء.
-
المؤلفون التقنيون Vitruva.
-
الجغرافيون وأصحاب الرحلات.
-
العلماء البزنطيون.
-
الوثائق الرسمية القديسة.
·
تاريخ الإغريق والرومان:
·
العلوم المعروفة بالتكميلية:
-
علم الآثار: ليس بالإمكان أن يطلق عليه اسم "علم تكميلي"
فهو ليس مستقل فحسب، بل صار مكتسحا بالنسبة للعلوم الأخرى.
-
علم النقائش: نثرا وشعرا وحتى ما يتعلق بقصائد الهجاء.
-
علم النقود.
-
علوم الإنسان من أنثروبولوجيا وإيتوغرافيا واليوغرافيا.
·
ميادين أخرى جديرة بالبحث:
-
فلسفة وتاريخ الأفكار.
-
العلوم الحقة: من رياضيات وعلم الفلك، فيزياء، كيمياء، جيولوجيا، علوم
الأرصاد الجوية.
-
الزراعة، تربية المواشي، المعادن، هندسة المياه.
-
علم النباتات والحيوانات.
-
علم البيئة.
-
الطب والصيدلة وطب الحيوانات.
-
الحرف.
-
الفن العسكري.
-
الصيد، الرياضة والألعاب المختلفة.
·
التأريخ:
-
التاريخ القديم العام.
-
تاريخ العالم القديم في علاقاته مع روما وبلاد الإغريق.
-
التأريخ الهلنستي أو الهلياني.
-
تاريخ مصر الإغريقية-الرومانية.
-
القورينائية والطرابلسية.
-
شمال إفريقيا.
-
شبه الجزيرة الإيبيرية.
·
تاريخ الأدب:
-
التاريخ العقيدي والأسطوري.
-
تاريخ النصوص.
-
اللسانيات وفقه اللغة.
فعلى
ضوء هذه المقترحات التي تحمل أيضا في طياتها إشكالات البحث في التاريخ القديم، قد
برزت في اعتقادي آفاق جديدة، تخص المبادرة العلمية في هذا الإطار. وهنا، من الأليق
أن نترك جانبا –ولو مؤقتا- النطاق الوطني خصوصا وشمال إفريقيا على العموم،
للاهتمام بما حدث قديما في مجالات مختلفة من العالم المعمور طبقا لآليات واختصاصات
فروع التاريخ القديم عبر الجامعات المغربية.
وسيؤدي
لا محالة هذا الانفتاح على الخارج إلى تطور ملموس بالنسبة للبحث في التراث العتيق.
ولنتذكر في هذا المضمار ما آلت إليه الدولة الإسلامية في كل من المشرق والأندلس من
حضارة وازدهار بعد احتكاكها بالتراث المعرفي القديم.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire